محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
193
شرح حكمة الاشراق
حدّها ، ولهذا يحملان على المحدود ، ولا يحملان على الحدّ ، فإنّ الجزء الحقيقىّ للشّىء لا يحمل عليه . وذلك كالسّواد الّذى شارك البيض في اللّونيّة وامتاز عنه بقابضيّة البصر ، ( 97 ) فإنّ جعله لونا في الأعيان هو جعله سوادا فيها ، إذ لو اختلف الجعلان لأمكن بقاء اللون دون السّواد . وهو باطل ، فإنّه إذا لم يوجد هذا السّواد لا يوجد هذا اللّون ، وكلّ ما كان هذا اللّون فهو هذا السّواد ، ولا يحتمل أن يكون هذا اللون ، ولا يكون هذا السّواد ، بل كان لونا آخر غير السّواد أو سوادا آخر غير هذا ، لاستحالة أن ينسلخ عنه فصل السّواد ويقترن به فصل آخر ، أو لا يقترن به فصل أصلا ، بل يبقى مجرّدا عن فصل . ولهذا لا يقال : إنّ السّواد جعل لونا فجعل سوادا ، كما لا يقال : جعل سوادا فجعل لونا ، بل يقال : جعلا بجعل واحد شيئا واحدا في الخارج . فالأنواع المركّبة تتميّز أجناسها عن فصولها في الخارج ، بمعنى أنّ وجود ما صدق عليه الجنس ، كالجسم ، يغاير وجود ما صدق عليه الفصل ، وهو النّفس النّامية . بخلاف البسيطة ، فإنّ وجودات أجناسها لا تغاير وجوداتها ، ولا لوجودات فصولها ، وإن تغايرت في العقل وتركّبت فيه . فإنّ التّركيب الذّهنىّ إنّما حصل من جهة تكرّر التّصوّر في العموم والخصوص ، لتشابه البياض والسّواد في اللّونيّة وتمايزهما بالقابضيّة والتّفريق ، ولأنّه يمكن أن يتصوّر السّواد من حيث إنّه لون ، وهو عامّ ، ومن حيث أنّه قابض للبصر ، وهو خاصّ . فإذا كرّر التّصوّران وقيّد العامّ بالخاصّ ، لزم التّركيب في الذّهن وإن كان بسيطا في الخارج ، فالسّواد بكليّته محسوس وكذا البياض ، وليس في ذات أحدهما ما يطابق شيئا من الآخر في الحسّ أصلا بل في العقل . وإلى النّوع البسيط الخارجىّ الإشارة بقوله : واعلم أنّ لونيّة السّواد ، أي : لونيّة هذا اللّون الخاصّ ، وهو النّوع البسيط ، ليست لونيّة وشيئا آخر ، وهو قابضيّة البصر ، مثلا . وفي بعض النّسخ : « ليست بشئ آخر » ، أي : غير السّواد ؛ في الأعيان ، فإنّ جعله لونا هو بعينه جعله سوادا ، أي : وجودهما واحد ، وإلّا ، فلو كان للّونيّة وجود ولخصوص السّواد وجود آخر ، جاز ،